أحمد بن علي القلقشندي
86
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
المعاند حقّك وقد قضى لك واقتضاك ؛ وما كان في محاجزتك عن حظَّك من خدمة أمير المؤمنين الذي أنت به منه أولى ، ومدافعتك عن حقّك في قرب مقامه الذي لا يستطيع طولا ، إلَّا مغالبة اللَّه فيك واللَّه غالب على أمره ، ومباعدتك وقد قرّبك اللَّه من سرّ أمير المؤمنين وإن بعدت من جهره ، استشرفتك الصّدور ، وتطلَّعت إليك عيون الجمهور ، واستوجبت عقيلة النّعم بما قدّمت من المهور ( 1 ) ، ونصرت الإيمان بأهله ، وأظهرت الدّين بمظاهرتك على الدّين كلَّه ، وناهضت الكفرة بالباع الأشدّ والرأي الأسدّ ، ونادتهم سيوفك : « ولا قرار على زأر من الأسد ( 2 ) - وأدال اللَّه بك ممن قدم على ما قدّم ، وندم فما أغنى عنه النّدم ، حين لجّ في جهالته ، وتمادى في ضلالته ، واستمرّ على استطالته ، وتوالت منه عثرات ما أتبعها باستقالته ، فكم اجتاح للدّولة رجالا ، وضيّق من أرزاقهم مجالا ، وسلب من خزائنها ذخائر وأسلحة وأموالا ، ونقلها من أيدي أوليائها إلى أعداء اللَّه تبارك وتعالى ، واتّسعت هفواته ( 3 ) عن التعديد ، وما العهد منها ببعيد ؛ وقد نسخ اللَّه تعالى بك حوادثها فوجب أن تنسخ ( 4 ) أحاديثها ، وأتى الأئمّة منك بمن هو وليّها والأمّة بمن هو مغيثها ، ودعاك إمام عصرك بقلبه ولسانه وخطَّه على بعد الدار ، وتحقّق أنك تتصرف معه حيث تصرّف وتدور معه حيث دار ، واختارك على ثقة من أنّ اللَّه تعالى يحمده فيك عواقب الاختيار ، ورأى لك إقدامك ورقاب الشرك صاغرة ، وقدومك وأفواه المخاوف فاغرة ، وكرّتك في طاعته وأبى اللَّه تعالى أن تكون خاسرة ، وسطا بك
--> ( 1 ) عقيلة النّعم : الزوجة الكريمة المنعمة . وقريب منه قولهم في المثل : « من ينكح الحسناء يعط مهرها » أو « من يعط أثمان المحامد يحمد » . ( انظر جمهرة الأمثال : 2 / 258 والميداني : 2 / 300 ) . ( 2 ) يضرب مثلا للمتوعد القادر على الانتقام ، وهو من قول النابغة : نبّئت أن أبا قابوس أوعدني ولا قرار على زأر من الأسد ( جمهرة الأمثال : 2 / 14 ) . ( 3 ) الضمير هنا وفي ما سبق عائد إلى شاور السعدي . راجع الحاشية رقم ( 2 ) من الصفحة السابقة . ( 4 ) نسخ الشيء نسخا : أزاله . ويقال : نسخ اللَّه الآية : أزال حكمها . وفي التنزيل العزيز : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها .